ابن سبعين
94
رسائل ابن سبعين
وبالجملة : هذه الكلمات المسئولة عنها المشار إليها عند الصوفية في الوجه الأول لازمة لأهل السلوك إذا لاح لهم بارق مقام الوصول في الخلد ، ولأهل مقام الوصول إذا صرفوا الهمة إلى الهوية المحضة ، وعطفوا على الآنية المتوحدة ، ثم ربطوا القصد الأصلي والتوجه لمن هي آنيته وهويته واحدة ، مستحق كل آنية وهوية متعددة بالإلزام ، ووجدوا الإضافة وصرفوا الضمير والإشارة بالعبارة ، وما أشبه ذلك تحت حد التلف ، ورسم السلف والمتكلم بها ، والمشير لمدلولها .
--> وحكى لنا الثقة عندنا ، فقال : سمعته يقول : طريق عبد القادر في طريق الأولياء غريب ، وطريقنا في طريق عبد القادر غريب . رضي اللّه عنه وعن جميعهم ونفعنا بهم ، واللّه يعصمنا من المخالفات . وإن كانت قدّرت علينا فاللّه أسأل أن يجعلنا في ارتكابها على بصيرة حتى يكون لنا بها ارتقاء درجات ، واللّه يقول الحق وهو يهدي السبيل انتهى . وقال سيدي عبد الوهاب الشعراني قدّس سرّه في كتابه « الأنوار القدسية » : ومن شأنه ، أي الفقير العارف ، إذا استفتى على شخص من الفقراء في أمور لا تدرك إلّا بالذّوق ألا يبادر إلى الإنكار ، بل يتحيل في الرد عنه ما أمكن . هكذا كان شأن شيخ الإسلام زكريا ، والشيخ عبد الرحيم الأنباسي رضي اللّه عنهما ، فإن رأى ذلك الأمر يلزم منه فساد ظاهر الشريعة أفتى ولام عليه ؛ لأن صاحب هذا الكلام ناقص فليس من أهل الاقتداء ونصرة الشرع أولى من الأدب معه بخلاف كمّل الأولياء كأبي يزيد البسطامي وعبد القادر الكيلاني رضي اللّه عنهما وأضرابهما ، فيؤول كلامهم ما أمكن انتهى . والذي أراه أن ما صدر عن سيدنا الشيخ عبد القادر الجيلي قدّس سرّه ونفعنا اللّه به من الكلمات التي رؤيت بمرأى الشطحات فهي مؤوّلة متصرفة عن مقام الشطح على الغالب . وأما بعض الكلمات التي لا تقبل التأويلات فهي نسبت إليه ، ولم تكن منه رضي اللّه عنه على الأصح ، كالكلمات التي سمّاها واضعها عليه من اللّه ما يستحق بالغوثية والمعراجية وأسندها إلى الشيخ رضي اللّه عنه ، وأخذ به نزه اللّه مقامه إلى مذهب الحلولية وأهل الوحدة المطلقة ، فهي بهتان وافتراء محض عليه قدّس سرّه . وإنه رضي اللّه عنه من أعظم من تحقق بقدم الاتباع للنبي صلى اللّه عليه وسلّم في الأقوال والأفعال ، وقد دلّت عليه إرشاداته وكمالاته وعباداته . وقال قوم معنى الشطح ، وصاحبه : أي الشطّاح الذي يقف عن الترقيات والمجاهدات ، والأعمال الموجبة لإعلاء المراتب والدرجات ، مع شطحه وتجاوزه منحطّا عن المراتب الرفيعة حالة الشطح ، هذا إذا لم يسقط بصدمة شطحه عن مرتبته بالكلية ؛ لأن الشطح من أعظم مزالق الإقدام ؛ لأن صاحبه ربما ينصرف عنه انطماسه وذهوله ، ووارد غيبته ، يعود إلى الصحو ، ويبقى على لسانه الأول متكلما في حضرة خيالية فيسقط ، ويبعد ويلحق بأهل الأنانية ، حفظنا اللّه والمسلمين . وانظر : قلائد الزبرجد للشيخ الصيادي ( ص 78 ) بتحقيقنا .